مولي محمد صالح المازندراني
178
شرح أصول الكافي
باب « فيما أعطى الله عزَّ وجلَّ آدم ( عليه السلام ) وقت التوبة » * الأصل : 1 - عليُّ بن إبراهيم ، عن أبيه ، عن ابن أبي عمير ، عن جميل بن درَّاج ، عن ابن بكير ، عن أبي عبد الله أو عن أبي جعفر ( عليهما السلام ) قال : « إنَّ آدم ( عليه السلام ) قال : يا ربِّ سلّطت عليِّ الشيطان وأجريته منّي مجرى الدَّم فاجعل لي شيئاً . فقال : يا آدم جعلت لك أنَّ من همَّ من ذريّتك بسيّئة لم تكتب عليه ، فإن عملها كتبت عليه سيّئة ومن همَّ منهم بحسنة فإن لم يعملها كتُبت له حسنة فإن هو عملها كُتبت له عشراً قال : يا ربِّ زدني ، قال : جعلت لك إنَّ من عمل منهم سيّئة ثمَّ استغفر غفرت له قال : يا ربِّ زدني ، قال : جعلت لهم التوبة - أو قال : بسطت لهم التوبة - حتّى تبلغ النفس هذه . قال : يا ربّ حسبي » . * الشرح : قوله : ( قال إن آدم ( عليه السلام ) قال : يا رب سلطت على الشيطان أجريته منى مجرى الدم ) روى العامة أيضاً : « إن الشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم » ذهب قوم ممن ينتمي إلى ظاهر العلم إلى أن المراد به أن الشيطان لا يفارق ابن آدم ما دام حياً كما لا يفارقه دمه وحكى هذا عن الأزهري وقال : هذا على طريق ضرب المثل والجمهور من علماء الاُمة أجروا ذلك على ظاهره وقالوا : إن الشيطان جعل له هذا القدر من التطرق ( 1 ) إلى باطن الآدمي بلطافة هيئته لمحنة الابتلاء ويجري في العروق
--> ( 1 ) قوله : « جعل له هذا القدر من التطرق » لا ريب في عدم كون الشياطين والجن والملائكة من سنخ العناصر والجسمانيات المحسوسة ويعرف تجرد هذه الموجودات من الصفات الثابتة لهم في الشرع فإن للمجردات صفات وللماديات صفات اُخرى ضدها والملاحدة الحاصرون للموجود في المادي يحملون جميع ما ورد في الشياطين والجن والملائكة وأمثالها على المعنى المادي ويستهزؤون بالدين والأنبياء إذ ليس في الماديات شيء بصفات هذه الموجودات ويؤيدهم الظاهريون ويوافقون معهم في كونها مادية ويعتذرون بأجوبة يزيدهم شراً وفساداً واستهزاءِ ، والحق أن الموجود غير منحصر في الجسمانيات ولم يقل أحد من المسلمين أنهم من الأجسام العنصرية وقد ذكرنا قريباً بعض صفات الملائكة مما دل على كونهم مجردات وهي صفات يعتقد بها وبأمثالها المسلمون جميعاً . ومما يدل على عدم كون الشيطان جسماً عنصرياً هذه الرواية فإن تداخل الأجسام محال بالضرورة . قال المحقق الطوسي في التجريد : والضرورة قضت ببطلان الطفرة والتداخل ولا ريب أن الدم ملاء العروق فإن دخل الشيطان وهو جسم عنصري زادها حجماً ودخل في تركيب الدم ويمكن أن يلتزم الظاهريون بأن الشيطان قادر على أن يتصغر كصغر الجرائيم ويتلين كلين الأدهان ويدخل من مسامات الجلد في العروق ويمتزج بالدم ثم يتعظم وينبسط في جميع العروق ويصير إلى القلب والرأس ويغير مزاج الأعضاء ويؤثر في إرادة الإنسان الشر كما يؤثر الأشربة المسكرة ، ويستهزء الملاحدة من هذه الاعتذارات أشد من استهزائهم بأصل الإعتقاد وبدن المؤمن والفاسق متساويان في قبول نفوذ الأجسام اللطيفة فكيف يسد مسامات المؤمن من نفوذ جسم الشيطان اللين دون الادهان والجراثيم ودون مسامات الفاسق ، أيضاً كيف يدخل الشيطان من الأبواب المسدودة من غير خرق وكيف يتحرك في الهواء من غير أن يظهر أثر ترجرج واضطراب فيه وأمثال ذلك والجواب عن جميع ذلك أنكم غلطتم واشتبه عليكم الجسم المادي بالموجود المجرد وأول ما يجب على المؤمن الإيمان بعالم الغيب المقابل لعالم الشهادة أي بالموجود المجرد المقابل للمادي وقد فتح الله تعالى كتابه العزيز بعد الخطبة أعنى سورة الفاتحة بقوله تعالى : ( ألم ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقن الذين يؤمنون بالغيب ) فالشرط الأول للمسلم الإيمان بالمجردات ولا يتعقل الإسلام من الرجل المادي فكما بالغيب أن علوم العلماء لا توجد محسوسة في تضاعيف دماغهم مع وجودها حقيقة لترتب آثار الوجود عليها كذلك يوجد الشيطان في العروق من غير أن توجد محسوسة بأي وجه فرض والله الهادي وما قال الأزهري أنه على طريق ضرب المثل فله وجه ضعيف والأصح ما ذكرناه وليكن هذا أصلا بيدك كلما سمعته في الروايات والأخبار والآيات من ألفاظ دالة على التجسم ثم رأيت صفات بخلاف صفات الأجسام العنصرية بحيث يستحيل اتصاف الجسم العنصري بتلك الصفات فأعلم أنه من المجردات أو الأجسام المثالية البرزخية ولا تصر على اثبات شيء ينفر الناس من الدين والأنبياء والكتب السماوية ولو اسلم الناس كلهم وأقروا بما ورد وأحالوا علمه إلى الله تعالى كان أولى وأقوم لكن بعد أن تعمقوا وأثاروا الشبه فالواجب ابداء الوجه الصحيح لأهل النظر وإحالة العامة على الإيمان بواقع معنا كما كان عليه السلف . ( ش )